الشيخ محمد رشيد رضا

352

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأكبر العبر في الآية ان قصة ابني آدم اقدم قصة تدلنا على أن الحسد كان مثار أول جناية في البشر ، ولا يزال هو الذي يفسد على الناس امر اجتماعهم - من اجتماع العشيرة في الدار - إلى اجتماع القبيلة ، إلى اجتماع الدولة . فترى الحاسد تثقل عليه نعمة اللّه على أخيه في النسب أو الجنس أو الدين وهو لم يتعرض لمثلها لينالها ، فيبغي على أخيه ولو بما فيه شقاؤه هو . وأكبر الموانع لارتقاء المسلمين الآن هو الحسد والعياذ باللّه تعالى من أهله لعنة اللّه عليهم ، لان الأمم لا ترتقي الا بنهوض المصلحين بها ، وكلما قام فينا مصلح تصدى الحاسدون لاحباط عمله . من قرأ الآية وفهم ما فيها من تعليل تحريم القتل بغير حق ، وكون هذا الحق لا يعدو القصاص ومنع الافساد في الأرض ، يتوجه ذهنه لاستبانة العقاب الذي يؤخذ به المفسدون حتى لا يتجرأ غيرهم على مثل فعلهم ، فبين اللّه ذلك العقاب بقوله : * * * ( 36 ) إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ . ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 37 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * * * اختلف نقلة التفسير المأثور فيمن نزل فيهم هاتان الآيتان ، على ما هو ظاهر من اتصالهما بما قبلهما أتم الاتصال . روى أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أنس ان ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي ( ص ) وتكلموا بالاسلام ، فاستوخموا « 1 » المدينة فأمر لهم النبي ( ص ) بذود « 2 » وراع ، وأمرهم ان يخرجوا

--> ( 1 ) استوخموا المدينة معناه وجدوها وخمة ، أي رديئة المناخ ، والوخم بالتحريك حصول التخمة ، وهي سوء الهضم وفساد الطعام في الجوف . وأصل هذه المادة قولهم : أرض وخمة ( بفتح الأول وسكون الثاني وكسره ) أي لا ينجع كلأها . وفي رواية اجتووها بدل استوخموها . أي كرهوا الإقامة فيها ولعله لما لهم من سوء النية ، فإنه يقل اجتوى البلدة إذا كره الإقامة فيها وان كان في نعمة ، ويحتمل انهم احتالوا بدعوي الوخم وسوء الهضم إذ عللوا ذلك بأنهم أهل ضرع لا أهل ريف ولكن روي أنهم كانوا مرضى ( 2 ) الذود من الإبل كالبضع وهو من 2 إلى 9 واستعمل في الجمع مطلقا . وقيل هو خاص بالإناث